الثلاثاء، 1 أكتوبر 2024

قلبي زعلان..



لا أنسى تلك الكلمة التي قالتها لي أمنية الجميلة في يوم بعيد..

بعدما دخلت وأومأت برأسها مسلمة وبذلت جهدا لتبتسم لنصف ثانية فقط..

جلست في صمت مرتخية الكتف مطرقة الرأس شاحبة الوجه لا تكاد ملامحها تبدو من خلف ضباب الحزن المتراكم..

جلست أمامها لدقائق أبحث في عينيها عن جواب لكنها كانت غائرة في غيمتين سوداوتين خالية من أي تعبير..

ابتسمت له لأطمئنها.. هطل المطر من تلك الغيمتين ورفعت كفها النحيل في تثاقل وفرجت أصابعها الصغيرة عن آخرها ووضعتها وسط صدرها وأخيرا نطقت..

بصوت يأتي من واد سحقيق: "قلبي زعلان يا دكتورة"

كانت ترجف كعصفور تحت المطر وثيابها تهتز من خفقان قلبها..

لم تنتحب ولم تبكِ ولكن وابلا غزيرا كان يهطل من غيمتيها..

تركتها تلتقط أنفاسها ثم سألتها: ما الذي أحزن قلب أمنية الجميلة؟

قالت بكسرة المذنب: فتحت أسوار الحذر وبوابات الحيطة بحسن ظن..

لم ألمها ، فمن يستطيع أن يبقى أبد الدهر حذرا متقلدا سلاحه؟

ليس من طبع الإنسان أن يكون محاربا طوال الوقت، الخوف والحرب والشجاعة والتجاسر استثناءات أمام المخاطر كلما لزم الأمر..

لكن الأصل في الحياة أن تكون مسالمة آمنة ..

كانت أمنية تحمل هم أن ألومها..

ربتت على يدها المرتجفة وقلت: ليس عيبا أن نحسن الظن ولو أخطأنا..

العيب أن تحملنا خيبة الآمال على الإساءة وتجاهل الضمير..

هدأت وأسندت رأسها وسبحت عينيها في الأفق أمام النافذة وكنا قبيل الغروب..

وراحت تبوح..

بقصة مملؤة بالبذل والعطاء والتضحية والأمنيات الجميلة والمشاعر الصادقة..

التفت إلي وقالت: لم أنتظر مقابلا ولا ثمنا ولا شيء .. فقط..

وخنقتها العبرة ثم أكملت: فقط أردت أن أستمر في العطاء دون أتألم أو يخيب أملي..

تنفست الصعداء وقالت: كنت مصرة على حسن الظن رغم سهام الألم ..

لكن الاستمرار جعلني في مقام لا أستحقه وأنزلني في منزلة لا تليق بي..

مسحت وجهها بكلتا يديها وقالت: كان كل ذنبي حسن ظني وصدقي..

تذكرت بيتا سمعته في لحظة عصيبة ودونته في مذكراتي فرددته عليه:

هون عليك فلست أول صادق..
يرميه إحسان الظنون بمأزق

هدأت قليلا وقالت ببسمة ساخرة : هل أنا لست جديرة أم أن الصدق وحسن الظن والعطاء صار بضاعة كاسدة في هذا الزمن..؟

اعتدلت وأقبلت علي بطفولتها وقالت:

هل من المعيب أن نكون مأمنا في علاقتنا؟

هل يجب أن نكون مهدِدين بالرحيل ومعلقين البقاء على شرط الإحسان؟

هل علينا أن نحتمل المرة بعد الألف حتى لا نكون السيئين في رواية أحدهم؟

على رسلك يا منية الأماني..

أخبريني..

هل أفصحت عما يزعجك؟

هل وقفت على مواقف للتبين قبل أن تحكمي؟

هل كانت ردة فعلك بالعقل أم بالعاطفة؟

هل حكمت أخيرا بدافع الانتقام أم بإحقاق الحق؟

هل أعطيت فرصة للتصحيح وتأكدت أن وجهة نظرك قد فُهمت من الطرف الآخر؟

هل يسع الطرف الآخر إنفاذ ما رجوتِ؟

هل كانت الوعود مناسبة للنفاذ أم فض مجالس؟

أوقفتني..

لحظة يا دكتورة وتفكرت قليلا وأجابت..

كان تقييمي لموقفها 10:9 .. فأثنيت عليها

قالت: لقد تعلمت من استدراكاتك لي عبر سنين طويلة ..

اسمعي يا دكتورة: لقد كان الواقع أجمل من الخيال توافقا؛ لكن الحياة لا تسع لهذا الجمال..

لا يسع الطامح للخير التخلي ولكن التيار أكثر جبروتا من أن يقاومه..

تنهدت وقالت: على قوارع الانتظار ويمكن وربما.. ذبلت بساتين الزهور وجفت الكثير من الأنهار وخرت الجبال الرواسي من دكات الألم على المتجلد الشامخ..

وأسوأ ما فعلته.. واغرورقت عيناها من جديد: أنني كنت أقول لا بأس.. لا يهم .. أتفهم .. يكفي كذا وكذا.. وكل البأس بي

وماذا حدث على قارعة الانتظار يا أمنية؟

ضحكت أخيرا وقالت: حملت من الزعل حملا أثقل كاهلي وأفسد علي دنياي وشل حركة إنجازي وجرح كبريائي ومس كرامتي ..

صار كل من لقيني يسألني عن سبب كل هذا الزعل المنحوت في ملامحي..

هل تصدقين يا دكتورة؟

أنا لم أعد أستطيع النظر في المرآة .. لأنني كلما نظرت سألت نفسي بأي ذنب استحققت كل هذا الزعل.؟

أخبريني يا أمنية ماذا تريدين الآن؟

جوفي خال يا دكتورة، الزعل أحال كل شيء رمادا وسلب من كل جميل رائحته وطعمه ولونه.. أريد أن ينتهى هذا الزعل.. فقط

كان هذا الإفصاح من أمنية بمثابة فصد الدم الفاسد من جرح ملتهب..

عادت بعض الحياة لملامحها وانقشع بعض الضباب..

سألتها بعدما وضعت لها المرآة أمامها: ماذا تستحقين وماذا تريدين حقا؟

ابتسمت وهي تحاول رسم ابتسامة راضية في المرآة وقالت: ألا أتألم.

قلت لها: تعرفين الطريق؟

بدت الشقاوة عليها من جديد وقالت وهي تتحرك كالأطفال حين يستيقظون..

جلجل صوتها من جديد: نعم لا تقلقي ..

اقتربت مني وحطت بكفيها على ركبتي كسفينة ترسو على شاطئ بعد رحلة طويلة وقالت بصوت خافت وعيون تقدح إصرارا: لا نَخذل ولا ننكسر .. نبقى صادقين ومحسنين ولكن لسنا ضعفاء ولا أذلة..

ناولتها قطعة شكولاتة مفضلة لها..

غادرت وهي تقفز..

ولكنني بقيت في مكاني مع فنجان السمراء المرة، مازلت أذكر كلمتها "قلبي زعلان يا دكتورة"

بأي ذنب يستحق الإنسان هذا الشعور؟

حين أتأمل هدوء العجائز والشيوخ وسكون تعابيرهم ورمادية الدنيا في عيونهم .. أعذرهم ..

لم يخلقوا هكذا ..

لكن الحياة حملتهم بخيباتها أحمالا سحقت كل ملامح الحياة فيهم..

والبطولة فيهم لمن بقي نقي القلب سليم الصدر..

حقا: "إلا من أتى الله بقلب سليم" تحد كبير ..

في خضم بحور الحياة المتلاطمة وتخبط الوجهات وتقاطع الغايات؛ أن تبقى عينك على العدالة وبوصلتك الحق.. بطولة نادرة..

حمكم الله من كل زعل وهم وسلم لدرب الهدى قلوبكم..

#ذاكرة_الاستشارات 2019

#فاطمة_بنت_الرفاعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق