الاثنين، 6 أكتوبر 2025

الفصحى والعامية صديقتان لدودتان...

 



تجتمعان فيما يفرقهما وتفترقان فيما يجمعهما..


يشبه ارتباطهما بدورة الماء في الطبيعة..


فلولا الفصحى ما كان للعامية أصل سترفد منه صوتا ونقشا ودلالة...


ولولا العامية لماتت الفصحى..


وقد كان هذا التلازم ظاهرة أصيلة قبل عصور التدوين الاحتجاج اللغوي.. 


وكل الظواهر الصوتية في اللغة هي لهجية أو عامية فرع من الأصل الفصيح.. 


فالشنشنة في كاف الخطاب للمؤنث لهجة كانت ومازالت حية إلى اليوم في نجد .. 


وإبدال لام التعريف ميما فرع منذ عصر النبوة في حديث الأعرابي حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمن امبر امصيام في امسفر ؟" فقال صلى الله عليه وسلم: " ليس من امبر امصيام في امسفر"


ولولا مستجدات الدلالة التي تطرأ على الألفاظ بالعرف الثقافي العامي في كل زمان لمات اللفظ الفصيح واندثر .. 


وقد دون كثير من المعجميين مؤلفات لرصد الروافد الدلالية المستحدثة على الألفاظ زيادة عما سبق ومن أروعها تكملة المعاجم العربية لرينهارت دوزي في ١٣٠٠ه تقريبا ، وكذلك معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية ، والزاهر في معاني كلام الناس للأنباري


وبالمثال يتضح المقال: كلمة خراراة تطلق في الأصل على نبع الماء الصافي ..


ولكنها بالعامية في العرف الثقافي المصري تطلق على مصب الماء الملوث أو ماء الصرف.. أكرمكم الله 


ومن طريف ما يحضرني في هذا الباب ... 


كان هناك مستشرق أكاديمي حضر لمصر في التسعينات ومكثر دهرا من الزمن ثم عاد لبلاده ورافق خلال رحلته في مصر الأستاذ الكبير عبد الحكيم راضي أستاذ الأدب في كلية الآداب جامعة القاهرة..


ولما عاد الرجل لبلاده أرسل رسالة شكر وعرفان لصديقة د. عبد الحكيم راضي مما جاء فيها : ولقد نهلت من خرارة علمك الشيء الكثير.... 


فكانت الرسالة مثار غضب د. عبد الحكيم لولا أن بعض الحكماء حوله أشاروا بأن المستشرق وإن تعلم فصحى العربية يبقى جاهلا بعرفها المعاصر..


وعليه فتبقى الفصحى منقوصة بدون أمطار العامية التي تخلع عليها حللا جديدة تجدد بها دماء الحياة فيها.. 


وهنا يكون واجبا على العلماء والباحثين توطين لغة التراث الشرعي والعلمي لتكون معربة دلاليا عند العامة في العصر الحديث.. 


#فاطمة_بنت_الرفاعي 

الثلاثاء، 12 أغسطس 2025

لم تنته التغطية الآن بدأت..



الناس جميعا تبكي #أنس_الشريف وأمس بكت #إسماعيل_الغول و #حمزة_الدحدوح والشيخ البشوش #هنية والعملاق الباسم #السنوار ... 


هؤلاء جميعا قناديل من نور  أضاؤوا للأجيال عتمة التاريخ القاتمة..


لم ينتفعوا ببكائنا لكنهم وجدوا أمامهم ما قدموه بين دفتي الميلاد والوفاة.. 


لم يكن بذلهم يسيرا بل خالطته نوازع النفس ومخاوفها وحب الحياة والطمع في ملذاتها.. 


جميعهم كانوا بشر تركن نفوسهم لما يؤنس الجميع وتهفو لأنفسهم أطياب الحياة ومغرياتها.. 


لكنهم آثروا الباقية بالفانية، وربح بيعهم وقبل قربانهم وزفوا بعفو الرحمن مكرمين .. 


اختروا النصر حصرا وقصرا، فكانت حياتهم ثباتا وعزا وموتهم نصرا وذخرا وأيقونة للمقتدين فتاريخ النضال يبدأ بالراحلين ولا ينتهي بل تتابع الأجيل على خطاهم سائرين.. 


الأسف ليس على الراحلين بل على الباقين، الأسف على امتحان مازال مفتوحا ونوازع نفوس مازالت تتثاقل بالباقين إلى أرض الدنايا وتقعد بهم خوف المنايا.. 


من كان بالرحيل معتبر فليشد المئزر وليحث الخطى وليلحق بالركب صادقا مخلصا متأسيا.. 


والله إنه دنيا دنية فانية لا تضمن فيها ملك ولا مالا ولا نفس يتردد في صدرك.. 


شربة الماء في يدك حياة طويلة ؛ وطول الأمل فيها سراب يحسبه الظمآن ماء..


مررت بالقبور واستأنست بها لأنها الوجه الوحيد الصادق في هذه الحياة الزائفة.. 


صدق رسول الله حين قال: " الّذي نفْسِي بِيدِهِ ، لا تَذْهبُ الدنيا حتى يَمُرَّ الرَّجُلُ على القَبْرِ ، فيَتمَرَّغُ عليه ، و يَقولُ : يا ليْتَنِي كُنتُ مكانَ صاحِبَ هذا القبْرِ ، و ليس بهِ الدينُ ، إلَّا البلاءُ" 


اللهم ألحقنا بهم على خير واجعلنا خير خلف لخير سلف .. 


لم تنته التغطية الآن بدأت وستستمر في ميزان كل من عبد الطريق الصعب وقهر المستحيل وتتابعت الخطى عليه..


#فاطمة_بنت_الرفاعي

السبت، 5 يوليو 2025

تعيش وتتعايش ..




تنكر نفسك وروحك وسعيك وتشعر أن النسيم يلعن قسماتك وهمساتك .. 


تخجل كلما رفعت يديك للسماء قائل يارب .. 


روحك في أعماقك تنبذك وتلفظ أنفاسك .. 


تنظر للمرآة وتسأل من أنا لا تكاد تعرفك..


تهرب من نفسك حاملا عبء ذنبك عقبة كؤود سلبت كحل النور من عينيك ونزعت نبض الحياة من جانبيك.. 


ذنبك الذي نغص عليك عيشك وبررت كل مصائبك وهمومك وكروب بجريرة الذنب الذي لا تبرأ منه يداك .. 


تكابر وتدعي نقاء وشرفا وقيما .. ولكن في خلجات روحك يصرخ الشعور بالذنب.. 


ربما تمرض أو يذبح قلبك .. بجريرة المصائب ربما ..


لكن عبء الذنب أكبر وأقهر ولو كنت جبلا عتيا.. 


كلما وضعت رأسك على وسادتك أو وضعت لقمة في فمك أو فكرت في تقلبات أحوالك وتصاريف أمورك.. 


شعرت بالخجل والعار والألم.. لا تكاد تحكيه لأحد فالكل يعرفه ولكنه لا يحمله كل أحد.. 


نعم إنه ذنب دماء #غزة وصرخات صغارها وأنين مصابيها ونظرات الجوعى فيها... 


إنها صورة الدم الطاهر على حبات الثرى ودموع الثكالى..

كيف يمكن تجاوز هذا والتعايش معه .. 


مهما بذلت يبقى قليلا.. 


تلعن العجز ألف مليون مرة ولا يكاد يجدي مع نزيف روحك بفأس الذنب المستقر في سويداء قلبك..


#فاطمة_بنت_الرفاعي  

الجمعة، 4 يوليو 2025

النُبل في زمن الجحود..

  


عن النفوس الطاهرة حين تُحاصر..


في كل عصر، يولد النُبلاء، أولئك الذين خُلقوا بعاطفةٍ فائقة، بقلبٍ يشبه نبعًا رقراقًا، يفيض حبًا وعطاءً وتسامحًا دون انتظار مقابل..


هم الذين يحملون النوايا الطيبة على أكفهم، ويحسنون الظن في الناس كما ينثر الزهر شذاه في الآفاق...


لكن في المقابل، ليس كل زمان جدير بإقامة العدل..


وليس كل مجتمع يردّ المعروف أو يحسن ضيافة النُبل..


في بيئة يختلط فيها التهكم بالأنانية، يُصبح النُبل سذاجة، ويُعامَل الحياء كضعف، ويُستغل الكرم حتى يستنزف صاحبه..


 في هذه البيئة، يحاول النبيل أن يبرر تصرفات من حوله، أن يغفر، أن يُكرّر المحاولة، ظنًا منه أن الخير لا يُقابَل إلا بخير، وأن النوايا الطيبة لابد وأن تُثمر..


لكن الحقيقة القاسية التي لا فرار منها، هي أن بعض المجتمعات تطحن الطيبين، تسخر من نقائهم، وتُكافئهم بالجحود والنكران..



أحيانا يحاول النبيل إنكار حقيقة مجتمعه ويلتمس ألف مليون عذر حتى يهرب من مواجهة الحقيقة ..


لأن ثمن مواجهتها سيمحق الخير فيه ويدحس العطاء والفيض في نفسه ويحوله لمسه يشبههم..


يرى أنه خاسر على الحالين إذا تجاهل واستمر بالعطاء مع المزيد من طعنات النكران ولطمات الخذلان..


وإذا واجه الحقيقة التي ستغير جوهره وتحرق باليأس بستان الأمل يخسر أيضا..


حرب قالت فيها العرب: كجادع أنفه بيده..


الاستمرار يُنهك الروح، والانغلاق يُميت أجمل ما فيه...


وكلما حاول النبيل التكيّف دون أن يخسر نفسه، وجد أن طاقته تستنزف، وأن بستان الأمل الذي يرعاه بدأ يجف تحت شمس الواقع الحارقة..


ليست الأزمة في الناس فقط، بل في صدمة التوقعات، في رفض تصديق أن الخير لا يُقابل دائمًا بخير، في الخوف من أن يتحول القلب المعطاء إلى قلب قاسٍ يُشبه القساة. 


النُبلاء لا يخشون الخذلان بقدر ما يخشون أن يصبحوا مسوخا كمن خذلهم..


لكن ربما النصر الحقيقي في أن تحفظ ذاتك رغم العواصف. 


أن تنتقي من تمنحهم قلبك، لا أن تغلقه..


أن تبقى نبيلاً، لكن واعيًا. لا تقف في الساحة بلا درع، ولكن لا تخلع عنك عباءة النُبل..


 فالله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا. 


والنقاء ليس ضعفًا، بل قوة لا يعرفها إلا من ذاق مرارة الجحود، ورفض أن يتحول لمرآةٍ له.


ابق نبيلاً، حتى وإن خسرت، لأنك في الحقيقة، الرابح الأوحد.


#فاطمة_بنت_الرفاعي 

كافيار على ورق جرائد


حين يُهان النُبل في أرضٍ لا تعرف مقاديره


في زحام الحياة، قد يُصبح النُبل غربة، وقد يُغدو الإخلاص عبئًا ثقيلاً يُثقل كاهل صاحبه، لا لعيبٍ فيه، بل لأن الأرض التي غرس فيه بذوره لا تأويه، والسماء التي يرفع إليها عينيه لا تمطره.


كم من كفٍّ نزيهٍ امتد ليعطي، فَجُوزي بالنكران؟

وكم من طاقةٍ نبيلة أُفرغت في مساحاتٍ لا تعرف للنور بابًا، ولا للعرفان طريقًا؟

كم من قلبٍ مخلص يُقدّم أجمل ما عنده، فلا يلقَ إلا التبرم أو التجاهل، لأنه – ببساطة – فاض في غير أنهره؟


في هذه الدنيا المتسارعة، يغدو الكفيار الذي أُعدّ بعنايةٍ وتفرّد، غريبًا إن قُدّم على ورق جرائد مبلّل على رصيف شعبي.

ويغدو المتفاني المُتقن، مستنزفًا حين يعمل في بيئة تُعلي من التملّق وتُقصي الكفاءة.


ليست الأزمة في الأداء... بل في المنصة التي يُؤدى عليها.

ليست المشكلة في الروح، بل في المناخ المحيط بها، في الجدران التي تُطفئ صدى الصوت، وفي الأعين التي لا تُبصر غير اللمعان الزائف.


كثيرًا ما التقيتُ على كرسي الاستشارات بأرواح نبيلة، ذات طاقات راقية، لكنها تتآكل بصمت.

هم لا يفتقرون إلى الموهبة وكرم العطاء، بل يفيضون به...

لكنهم أُلقي بهم في مواطن لا تشبههم، في أماكن تهزأ بالحلم، وتُكافئ التنازل، وترى في الصمت ضعفًا لا حكمة.


في كل واحدةٍ من تلك القصص، أدركت أن الغربة ليست دائمًا عن الوطن، بل عن القيمة.


غربة النبيل وسط العبث، غربة المحترف وسط الفوضى، غربة الشغوف في حضرة اللامبالاة.


ليس من العدالة أن نحاكم زهرًا لم يُزهر لأنه زُرع في تربة مالحة.

ولا أن نلوم الشموع لأنها انطفأت حين حاصرها الريح العاتية.


في المجتمعات التي لا تُكرم الطاقات، يُصبح الوفاء غباءً، والإتقان مثارًا للسخرية، والحلم جريمة يُعاقَب صاحبها.


لكنّ الإنسان النبيل، حتى حين يُخذل، لا يتخلى عن نُبله.

يحتفظ بملامحه الجميلة في وجه القبح، ويصبر لا خنوعًا، بل ترفُّعًا.


فيا كل نفسٍ أتعبها الكفاح في موضع لا يُشبهها…

ويا كل يدٍ تعطي ولا تُكافأ…

ويا كل حلمٍ يوشك أن يذبل في بيئة لا تُدرك ألوانه…


اعلم أن الله لا يُضيع عملك، ولا يُسقط دمعك، ولا ينسى صبرك.

وأن انتقالك من أرضٍ لا تليق بك، ليس هروبًا… بل نجاة.

فالذهب لا يفقد قيمته إن سقط في الوحل، لكنه لا يضيء حتى يُلف في الحرير .. 


ابحث عن موطنك… عن بيئتك التي تراك وتحتضنك وتثمِّن نورك.

ولا تبقَ طويلًا حيث يتآكل قلبك، ولو كنت عظيمًا في العطاء.


فالكفيار لا يُقدّم على ورق جرائد في السوق الشعبي


#من_ذاكرة_الاستشارات

#فاطمة_بنت_الرفاعي