دخلت علي مسلمة وفي عينيها ملحمة ومعارك مازال غبارها مثارا..
وعلى ملامحها مرارة وأسى..
مددت يدي أصافحها برفق فالآهات تتعالى من كل جزء منها..
ابتسمت وجلست بهدوء وتنهدت طويلا ثم استرخت وبدأت تقص حكايتها ..
كان امتحانها الأكبر نهر عواطفها الذي لا ينضب مقابل قلوب سبخة لا ينفع معها حرث ولا غيث..
البراءة التي لازمتها وحفظت قلبها من أن تلوثه أدران الأحقاد التي عايشتها والظلم الذي وقع عليها ؛ كانت أكبر جائزة ..
فليس في الكون خراب يعدل تلوث القلب وإبدال نقائه بدرن الحقد والكراهية..
كانت تحكي وابتسامة الطفولة تغلب على محياها ومرارة الخذلان تصرخ في عينيها..
سؤالها المتكرر والمدوي : بأي ذنب استحققت كل هذا الألم؟
كانت أناملها توخز صدرها وهي تردد : بسذاجتي أم كرمي الأهبل أم حسن ظني العبيط ..؟
صمتت لبرهة وسرحت وعينها ثابتة على السقف ثم التفتت إلي وانهمر شلالها من جديد وقالت: لم أكن يوما إلا طائرا مغردا يطمح أن يشدو على غصن وارف..
وأردفت علمني الخذلان والأذى الحذر والخوف والترقب..
اعتدلت في جلستها ومسحت دموعها بمنديل مددته لها وقالت: لا سامحهم الله ، سأحاسبهم يوم ينصب ميزان العدل..
غص حلقها بالبكاء ثانية وقالت : هناك سينتصر لي الله بعدله ولن تكون لأحد قوة ولا سطوة مجتمع ولا هيبة مكانة ينتزع بها الحقوق..
كانت المرة الأولى التي تسرد فيها قصتها على أحد، لقد اختصرت سنوات من الأسى في زفرات ودمعات وتنهيدات..
كان أكثر فصول الحكاية أسى وأسفا حين قالت: لقد عادوا بعد سنين ينظرون في عيني بكل وقاحة ودون أي إحساس بالخجل ..
انتحبت ثانيا ثم قالت: لم يتنازل أحد من ظالمي ويعتذر عما اقترفه ولو بالكلمة، هل انعدم الضمير إلى هذا الحد .. ؟
وأخيرا قالت بيقين الواثق: لقد عاقبهم الله جميعا أمام عيني عقابا من جنس ما فعلوا وسأحاكمهم في الآخرة ..
غادرت بعد عدت لقاءات نقضنا فيها عرى تلك المآسي ورممنا ما خلفتها المعارك من خراب وتجاوزنا ماضي الضعف والألم بوسائل شتى..
انتهت ملحمة أمل بدروس قاسية وخبرة صعبة وتجارب لا تنسى..
ولكن رحمتها وخيرها ونقاءها مازال يانعا رغم كل ما مر بها وهذا أكبر مغنم رغم فداحة المغرم..
مازلت أمل تنثر الحنان والبر حيث حلت وتشدو حيث أمنت وتفيض خيرا على من لاقت..
أشفق على كل زهرة بريئة وروح نقية من ظلم الناس وجبروت السطوة التي لا ترحم..
أتساءل بإشفاق وأضن بالظالمين ظلمهم لأنفسهم..
لماذا نخلف وراءنا هذا الركام من الأسى ونحمل أوزاره؟
أي مغنم في الحياة يستحق أن نقف أمام الله نحاسب على كسر الخواطر وترويع القلوب وحيرة السالكين..؟
لقد خسر والله كل من ظلم في الدنيا والآخرة..
رفقا بخلق الله فنحن مأمورون بعمارة الأرض بالخير وتخليف الأثر الطيب والحياة أقصر من أن نحمل منها أوزار مظالم من يتعلقون بأعناقنا ويخسفون بحقوقهم ميزاننا أمام الله ..
لم يفت الأوان بعد ابذل الاعتذر لمن ظلمت ورد عليه حقه وفوق حقه حتى يطيب خاطره ويرضى ، أنت تشتري نفسك وتحرر ميزانك من مظلمة قد تودي بك في نار جهنم..
#ذاكرة_الاستشارات
#فاطمة_بنت_الرفاعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق