ثمة غربةٌ أقسى من غربة الوطن: أن تكون بين الناس ولا تكون منهم.
أن ترى أخلاقهم، فلا تشبه أخلاقك، وأفكارهم، فلا تجد فيها نفسك، وقيمهم، فتشعر أن المسافة بينك وبينهم أوسع من أن تُردم. تحاول أن تلتمس لهم عذرًا، وأن تجد منطقةً وسطى تستطيع أن تعيش فيها، لكنك تنفر كل مرة؛ لأن بعض التناقضات لا يستطيع الضمير أن يتعايش معها.
يصلي المرء، ثم يظلم.
يتحدث عن الأمانة، ثم يدلس.
يرفع اسم الله بلسانه، ثم يؤذي خلقه بيده، ويقول مطمئنًا: «الحمد لله، نحن على خير».
وأنت لا تستطيع أن تفهم كيف تجتمع الشعيرة مع نقيضها في قلب واحد.
فتبتعد.
تخسر هذا وذاك، وتختار الوحدة على أن تخسر نفسك. ثم تقتلك الوحدة، فتعود متسائلًا: لعل في الناس خيرًا لم أره، لعل العيب فيَّ، لعلني أطلب من البشر أكثر مما يستطيعون.
فتقترب.
ثم تنفر من جديد.
وهكذا تدور في دائرةٍ موجعة: اقتراب، نفور، وحدة، عودة، ثم اغتراب.
في العائلة، وفي العمل، وفي الشارع، وحتى في المسجد، تشارك الناس المكان والشعائر، لكنك لا تجد كثيرًا من يشاركك المعنى.
ولعل أقسى ما في الأمر أنك لا تريد أن تكون أفضل من أحد؛ أنت فقط تريد إنسانًا تستطيع أن تكون أمامه نفسك، دون أن تضطر إلى خيانة ما تؤمن به كي تبقى قريبًا منه.
ثم تتعلم، بمرارة، أنك لست مطالبًا بإصلاح الناس، ولا بأن تجد جماعةً كاملة تشبهك.
يكفي أن تجد قلبًا صادقًا، وإن اختلف معك. إنسانًا يحترم اختلافك، ولا يطلب منك أن تتنازل عن ضميرك كي تنتمي.
فليس كل من شاركك الشعائر شاركك الإيمان، وليس كل من خالفك في الطريق بعيدًا عنك.
وربما يكون النضج كله أن تتعلم كيف تعيش بين الناس دون أن تصبح مثلهم، وكيف تحافظ على قلبك دون أن تحكم عليه بالوحدة.
فأشد أنواع الغربة ألا تجد من يشبهك؛ وأشد منها أن تضطر، من شدة وحدتك، إلى أن تصبح شبيهًا بمن لم تستطع يومًا أن تكون مثلهم.
#فاطمة_بنت_الرفاعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق