شاع مؤخرا الحديث عن الاحتراق النفسي وضغوط العمل التي تؤدي إلى خلل سلوكي أو مبالغة في ردات الفعل أو فشل في السلوك الاجتماعي..
لكن ..
لماذا الآن؟
هل لأن الإنسان يلفت الانتباه حين تكون معاناته معرقلة لسير العمل المدر للربح؟
أم أنه رفاهية ملء الفراغ وإثارة الجدل وإلقاء الحصى في الماء الراكد؟
الاحتراق قديم قدم الأرض..
يحترق الإنسان حين يظلم ولا يستطيع القصاص أو حتى رد الظلم عن نفسه، لذا دعوته موعودة بالنصر من الواحد القهار..
يحترق الإنسان حين يقع بين رحى مبادئه وأعراف الناس وينهزم أمام التيار ويكون جزءا من القطيع وهو يتفحم في كل يوم حنى تخرج أسوأ نسخة منه..
يحترق الإنسان حين يكون مجبرا على تحقيق أهداف الآخرين على حساب أهدافه، ويكافأ بالنكران بعد انتهاء الحاجة إليه..
يحترق الإنسان حين يعش في مجتمع يكد فيه بكل عزمه ولكن جهده لا يثمر وغرسه لا يؤتي أكلا..
يحترق الإنسان حين يجبر على الانخراط في بيئة لا ينتمي إليه، ويبقى يكافح ادعاء الانسجام والتكيف وفي الحقيقة لا يكون الإنسان أحد غير نفسه ولو اجتهد..
يحترق الإنسان حين يستغل من باب قيمه باسم الدين والاحتساب مثلا لتحقيق غايات للآخرين لا علاقة لها بالقيم..
يحترق الإنسان حين يقدم المعروف دهرا ويقابل بالخذلان بل وبطعنة غادرة من مأمن..
يحترق الإنسان حين يصل لنتيجة أنه ليس كافيا مهما تعلم ودرس وتأدب وعمل واجتهد..
ليس كافيا للاحترام والتقدير..
ليس كافيا للمحبة الصادقة..
ليس كافيا لكسب ثمن الحياة الكريمة..
ليس كافيا ليجلب لنفسه الكفاية الضامنة للأمان..
كل هذا كفيل بأن ينكس الفطرة ويحول مستقيمها أعوجا؛ ولكن..
لكن من يخطو كل يوم على طريق التوكل والاستخارة..
واستحضار القيم النابعة من إيمانه واعتقاده عن نفسه وثقته بصوابه اعتقاده..
حين يقدم هذا قبل كل عمل إجرائي العمل ويحكم الضمير أمام أعتى القبضات..
ينجو وإن هلك..
قد يقذفوه بلا رحمة في قاع الهاوية لكن رشاء الرحمة يدركه وأمل في عدالة الله على الأرض ينقذه..
ربما يصل لبر الأمان ممزقا ولذة الوصول أقل من أن ترممه..
ربما لن يعرف للابتهاج طريقا بعد كل ما مر به ..
ربما يخفت بريق الحياة من عينيه..
لكنه الوحيد القادر على التعرف على كنهه حين ينظر للمرآة..
الوحيد الذي يحلق بجناحي الحرية والصدق غير عابئ بأحد..
الوحيد القادر على تغيير وجه الدنيا ببصيرة العارف بالحقائق وعزيمة من يرهب الموت ولا يهابه..
وهو الوحيد القادر على بناء حضارة ببصمة مختلفة عن سابقها..
لذا لا تحترق مهما كان الثمن ..
فليس هناك جحيم أسوأ من الموت تعزيرا طوال عمرك جزاء جبن عن الترفع عن القطيع أو السباحة عكس التيار أو الحيار الحر المقرون بالمشقة المحققة للغايات..
الشجاع يموت مرة بعد حياة حقة وإن قصرت..
والجبان يموت ألف مرة في حياة لا يعيش شيئا منها مهما طالت..
#فاطمة_بنت_الرفاعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق