يبنى رصيد الإنسان في الحياة بكثرة التجارب التي صهرته وتركت في وعيه بصماتها..
قد يكبر الفتى ألف عام ويصبغ عقله بحكمة الشيوخ في ليلة حالكة..
وقد يبقى الكبير فتى تتنازعه فورات الصبى ونزق الصبيان..
هذا إضافة لما يعمد المرء تعلمه بالمدارسة أو الممارسة..
وبين هذا وذاك يتنوع الناس وتختلف عليهم أغراض الآخرين وغاياتهم حسب الحاجة..
لا يتمايز الناس إلا بقد ما أفادوا من كل ما مروا به جبرا أو اختيارا لإخراج أفضل نسخة من أنفسهم..
وأكثر الناس قيمة في هذه الحياة من عرف حقائق الأشياء وانتهت طاقته عن الانخداع بالظواهر وعرف الطريق نحو البواطن، معرفة حقة لا رجما بالغيب..
ذلك الذي آثر السلامة من التلوث بموجات الإدراك المفروضة حسب قوانين السنين والأحداث..
الذي احتفظ بقلبه نقيا بمنأى عن تقاذف القناعات المنزلقة في أوحال الغايات المتغيرة..
ذلك الطفل البريء بفطرته والحكيم بخبرته الهادئ بهيبته والمخيف بخطوته..
يبقى له في الحياة صراع واحد؛ بين ما يدرك حقيقته ويقدره بحكمته وخبرته وما يشعر به بقلب الطفولة النقية..
فهو أكثر الناس تقديرا وحلما ورحمة وطول أناة.. وهذا مطمع الناس..
وأيضا أكثرهم تألما وصبرا ووحدة وكسرة خاطر.. وهذا ما لا يدركه أحد عنه..
فالحكمة لا تعني غياب الشعور والتفهم لا يغني غياب التألم..
يصعب على المقاتل الذي يهتف الناس باسمه ويلقبونه بالبطل أن يكون خارقا لا تدمى جراحه وجسورا لا يخفق قلبه كالعصفور تحت المطر خوفا حين يحدق الخطر..
يصعب على المكلف بمهام عظام الذي تحمل على أكتافه ما تنوء الجبال بحمله ويقال: له أنت لها؛ أن يستمر في العمل دون أن يكل أو يخطئ أو ينهار من فرط التعب..
يصعب على الرحيم المقدر الممتص لكل متاعب الناس أن لا يم بلحظة يغلب أساه تفاؤله وألمه قدرته وينفد رصيد عطائه..
ارحموا هؤلاء الرحماء الذي ينثرون الأمان والأمل على قلوب الخلق لا يرجون جزاء ولا شكورا..
ليبقى النهر فياضا على السماء أن تمطر غيثا عميما ..
#فاطمة_بنت_الرفاعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق