يوما وبعد رحلة طويلة مليئة بالمغامرات والعثرات والنجاحات والكبوات ..
يوما ما وفي موقف ما ستحكي عن قصة من قصصك أمام جمع من المستمعين أو أحدهم ..
وبين ملامحك المفعمة بالإثارة ونغم كلامك الباسم وانفعال الحاضرين معك؛ ستنساب دمعة خائنة ..
نعم دمعة تحكي عن تلك الوخزة التي تنغز قلبك الآن وبعد كل تلك السنين ..
لماذا وسط قصة النجاح الكبير والكفاح الطويل هذه الدمعة ..
دمعة لآهة مكبوتة وقصة مكنونة في أعماق الروح ربما كانت أقصر من أن تتجاوز الثواني أو الدقائق ..
لكنها كانت سهما ثاقبا لسويداء قلبك ومظلمة لم تستطع حتى البوح بألمها ..
ذلك السهم الذي أصابك به أحد ما ومضى غير مبال وخلف وراءه دمارا يفوق مأساة القنبلة الذرية ..
تلك الدمعة الخاطفة التي تمحوها دون أن تلتقطها العيون وتشعر بلهيبها كبركان يفور بين ضلوعك ؛ تمحو كل طعوم السعادة من مذاقك وتبهت ملامحك التي كانت قبل ثواني مفعمة بالإثارة والحيوية ..
لماذا؟
لا أحد يعلم أن ذلك السهم القديم مازال رأسه المسموم مغروزا في أعماق قلبك يشخب دماءه وقد سكب كل جميل من جوفه ..
ذلك السهم الذي علمك معنى الخذلان وسرق منك حسن ظنك لردح من الزمن طويل واغتال آخر نطف البراءة والخير في روحك ..
ذلك السهم الذي أقنعك أن الدنيا عقمت أن تخرج أصحاب الضمير النقي والصدق المستديم ..
ذلك السهم الذي كنت تظنه فيض وفاء وفتحت له ذراعيك وأصابك على حين غرة دحس كل العطاء والبر والخير من داخلك وعانيت سنين حتى تعود لطبعك ..
ربما استطعت تغير وجهة نظرك واستعادة بعض طباعك وحسن ظنك ؛ لكنك مازلت ترتجف كلما غزتك هذه الذكرى من مرارة الخذلان..
مازلت تؤخر ألف قدم قبل أن تثق أو تحسن الظن ..
لقد ظللت سنين تربط قلبك بحبل كثيرة وتعلقها بكل قيمة نبيلة وأجر واحتساب وأنت تجره للخير حتى تستبقي آخر قطرات الحياة فيك ..
كل هذا من ثواني أو ربما دقائق .. ؟
نعم ثواني سبقها ثقة وحسن ظن متناه ..
تلك السهام التي لا نستطيع البوح بآلامها أو الشكاية من مظلمتها تبقى في عمق الروح وتغزو الخلوات وتخونك في مواطن قوتك ..
لا أستطيع أن أقول لك ستنسى أو تجاوز هذا الألم أو تجاهله ..
لن يمضي ..
ربما أفضل الأحوال أن تعترف بإخفاقك حتى أمام نفسك فقط ..
فمهما كنت خبيرا وثاقب الرؤية قد يفوق البعض أسوأ توقعاتك مهما كنت تظنهم رائعين ..
أهرق هذه الدمعة التي تخونك ودعها تعلن عن ألمها دون أن تكون مضطرا لشرح قصتها ...
وكن أمينا حين تحكي لمن يتطلع إليك متعلما منك وأخبرهم جملة:
أنك أخفقت حينا وتألمت حينا وسقطت حينا ويئست حينا ومرضت من فرط حزنك حينا ونجحت وتعبت لكنك لم تستسلم..
علمهم أن الأمثلة العظيمة هي محض حكايات بشرية فيها كل الألوان وربما كان ألمها أكثر من سعادتها ؛ إنهم فقط لا يستسلمون حتى ولو كانوا أشلاء..
علمهم أن البطولة تكمن في الاستمرار في الخير مهما لقي الإنسان من شر..
علمهم أنه حتى الأنبياء جفت قداح قلوبهم من فرط الألم كما تجف قداح قلوبنا أيضا، وتوقفوا عن البر حينا لكنهم لم يكونوا مؤذين أو دعاة شر يوما ..
فهذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم تجف روحه في عام الحزن من فرط الألم فيسري الله عنه برحلة الإسراء والمعراج ..
وهذا ذي النون يونس عليه السلام يخرج من قريته متعبا غاضبا من قومه فيأخذه ربه في أكثر أماكن الدنيا سكونا في بطن الحوت ليهدأ ثم ينجيه من الغم ويعود ليكمل رسالته..
وهذا موسى عليه السلام كلما نضبت روحه فر لربه ثم عاد يتدفق قلبه ويجدد رسالته في قومه ..
الأنبياء والمرسلين لم يكونوا سوى بشر يضعفون ويحزنون وتقفر قلوبهم مثلنا ؛ والعصمة كانت عن الزلل في حق الله أو البشر ..
إن الامتناع عن الشر في مواطن الضعف والعجز والإقفار هو عين التحدي والسمو والاقتداء بالأنبياء عليهم صلوات ربي وسلامه ..
علموهم ألا يكونوا سهاما غادرة تدحس الخير من قلوب البشر ..
علموهم ألا يخيبوا حسن الظن بهم ولا يغدروا الثقة ..
علموهم أن المظالم الصامتة أكثر أسى ودمارا من المظالم الساخطة ..
علموهم أن يرقبوا في عباد الله إلا وذمة ويحسنوا بقدر ما يرجون أن يحسن الناس إليهم..
أما ندوب السهام التي في روحك فسيذيب خيرك يوما حديدها ويقضب الجرح النازف ويملأ الخير قلبك من جديد..
يوما ما ..
مهما طال الزمن..
يكفي أن تربط قلبك بحبال الخير وتمهله وتراوده وتهاوده وتسمح له بالتنفيس عن ضعفه ولو دون تبرير ..
اسكب ماء البحر المالح بفيوض الرضا والاستسلام لقضاء الله على قلبك ..
وأسل فيها كل دماء الألم والأسى النازفة ولا تحبسها في جوف فؤادك فتضعفك ..
يوما ما ستزهر براعم الرضا في قلبك خيرا ..
ثقة في الله وليس في بشر ..
#ذاكرة_الاستشارات
بقلم : #فاطمة_بنت_الرفاعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق