
كنا صغارا ولا نعرف قامات الأمة ورجالاتها ..
كان في بيتنا صفوف من الأشرطة بجانب المسجل ..
وكان هناك واردات أسبوعية أو شهرية على هذه الصفوف ..
كل الخطب التي حوتها هذه الأشرطة كانت متجددة الأصوات؛ أي أنك تعرف الشيخ من كثرة ما تردد صوته على أذنيك ..
لكن شيخ ذي صوت خفيض يتحدر من نغم كلامه هدوء وسكينة، لم نكن نفهم الكثير من قواعده الأصولية واستباطته التشريعية لحداثة سننا وقلة علمنا ولغتنا الرخوة ..
كنا نسأل عن معاني ما يقول الشيخ فيقال لنا: ستفهمون حين تكبرون ..
رغم ذلك كنا نحب ذلك الشيخ ذا الصوت الودود والعلم الرفيع المستعصي على الصغار ..
لم تكن تصلنا من أشرطته إلا كل فترة حتى أنني صففت لأشرطته صفا وبدا قليلا جدا من بين المجموعات ..
كان الإنتاج الصوتي للشيخ #سلمان_العودة قليل حينها وتداوله مقيد؛ لكثرة ما كان يعتقل على عكس مؤلفاته ..
عالم أصولي ضمت مكتبتنا لاحقا بعض كتبه وكنت أفتحها وأقول غدا أكبر وأستطيع فهم ما حوته هذه الكنوز ..
كان تعلمنا للعربية وكدنا في سبيلها حتى نصل لتلك الدرر من هذه المنابع المباركة ..
وفي المرحلة الثانوية دونت بحثا صغيرا تلقطته من دفات كتاب الشيخ ؛ كأنني أوثق وقوفي وزعم فهمي لبعض هذه الدرر..
قدمت البحث لمعلمة اللغة العربية الأثيرة الودودة حينها لتجيزه لغويا ..
كنت بجانبها وهي تقرأ وترمقني من خلف نظارتها وكانت أطول لحظات انتظار ..
ثم رفعت رأسها بعد مدة وأغلقت البحث بكل هدوء قائلة: أحسنت لا توجد أخطاء إلا في بعض الرسم الإملائي..
كنت سعيدة بهذه الكلمات أكثر من سعادتي بنتيجة الثانوية العامة لاحقا ..
نعم ... أستطيع الآن أن أقلب صفحات هذه الكنوز وأستقي من بركاتها ؛ ولو لم يكن الشيخ حاضرا بصوته..
في العام الثالث أو الرابع بعد الألفية الثانية كان الشيخ حرا وكان له برنامج ردا على أسئلة يوم الجمعة على إذاعة الإف إم إن لم تخني الذاكرة..
كان صوت الشيخ عزيزا علينا وخاصة أنك تعلم أنه يصلك مباشرة من الشيخ ..
وقتها كان الشيخ قد نهج منهجا وأخذ زورقه في اتجاه مغاير لطابع الخطاب الديني وقتها ..
كان الشيخ له رؤية مبكرة ثاقبة وتنبؤ بالرمال التي تزحف في هدوء تمهيدا لعاصفة بعد سنين ..
ذلك الشيخ الأصولي الجليل ذو العبارة الرصينة والمعاني الجلية والرأي المحكم ؛ شرع في تخفيف الأعباء عن كواهل الناس خاصة الشباب وصرح مرة أنه يرجح التيسير ولا يرى حكمة من التعسير وجبر الناس على العزائم وليسوا كلهم أهلا لها فيفتنوا ..
كان هذا الدرس كفيلا بتحريك الكثير من الزواحف السامة في الماء الراكد ، وأيضا بث الحياة بروح جديدة في فضاء الدعوة وخاصة المستهدفة للشباب ..
بدأ نهج شيخ يسري كجدول يتحدر بين جبال ليروري قلوبا ظمأى منهكة ..
توقفت كثيرا عند هذا الدرس وعلى الرغم من حداثة سننا وقتها إلا أن زوارقنا الورقية سارت في الجدول بلا مجادف ..
ثم الدرس الثاني: كلام العلماء قابل للنقاش والترجيح والأخذ والرد ..
وكان هذا الدرس زلزالا مدويا في أوساط كثير من الوعاظ الذي يتخذون الأمر والنهي نهجا ..
وأشيع في بعض الأوساط أن الشيخ قد تحلل من عرى دينه وفتن في معتقله ..
بقي الشيخ #سلمان_العودة جدولا ونهرا ينساب رحمة وحكمة وعطاء وتلاشت كل خيوط العنكبوت ..
وهكذا أنبتت أصولية الشيخ نخيلا باسقات لا يقوى أحد على تسلقها ولا اجتثاثها..
مرت السنوات ونحن مازلنا صغارا متطفلون على مائدة كتبه وعلمه ..
ولكن الشيخ حفظه الله أكمل المدرسة النبوية في أروع مثال ..
جسد حياة الصلاح والاتزان صوتا وصورا ومقاطع ؛ كانت الرسالة : أن تكون سويا فلا يعني أن تكون قبيحا أو عابسا أو مكروها ..
كن نبويا ودودا باسما رحيما بالأطفال متبسطا متواضعا سهلا لينا تبكي وتفرح وتعطي وتأخذ وتحزن وتضعف وتقوى وتنهض لكنك في كل شئناك بالله لا تقطع ..
البرامج الرمضانية للشيخ كنت تؤصل هذا من المنهج :
من أثر الأنبياء #علمني_موسى و #آدم كانا دفتي كتاب هذا المنهج وهدفها أن يركب الناس في سفينة النجاة طوعا وحبا واحتياجا لا إكراها ولا قسرا ولا اضطرارا ..
اشتعلت الأحداث والشيخ الغيور يغلي كالبركان وسجانوه يتربصون به وقد بيتوا له ..
لم تكن تغريدة الشيخ عن تأليف القلوب مع #قطر هي سبب اعتقاله ؛ لكن وللأسف كان تقدير سجانيه له أعظم من تقدير محبيه وطلابه ..
لقد علم هؤلاء الظلمة أن العتو والبغي لن يسكت الشيخ وهو قادر على تغيير مجرى الرياح بإذن الله لو صدح فآثروا تكميمه ليسهل التستر على بغيهم ..
لكن هيهات لقد فضحهم الله على مشهد العالمين ..
مازالت وريقات بحيثي في مدخراتي ولا أدري ما شعور معلمتي وهي تقرأ كلماتي الآن وأنا لها والله إلى اليوم شاكرة..
مازالنا طلابا صغارا على مائدة علم الشيخ #سلمان_العودة
لكن ما أؤمن به أن الكثير من الخير و التوسط والبر والرحمة بالمؤلفة قلوبهم في زمان العواصف في ميزان الشيخ ..
جعل الله سعيه وكتاباته والمنتفعين بعلمه أجرا موصولا في ميزانه إلى يوم القيامة..
أسأل الله أن يفرج عن الشيخ وكل معتقل ومستضعف في أي أرض الله كان وينكل بظالميهم ..
يوما قريبا بإذن الله ستسطع نجوم الأمة في سمائها الصافية من جديد وتنقشع الغيوم المهلكات ..
يوما قريبا بعون الله ستكون هذه الكربات دروسا في كتب الشيخ وغيضا من فيوضه وسنتلهف لنسمعه حاضرا أو عبر الأثير من جديد كما كنا صغارا ..
#اغضب
#دين_الفطرة
بقلم : #فاطمة_بنت_الرفاعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق