السبت، 22 أبريل 2017

#السودان سطور لم تسطر..


طالما سمعت عن بلاد تربتها سمراء كلون بشرة أهلها كريمة كطباعهم هادئة كمزاجهم كنت قد التقيت بهم في أرض الحرم المكي كثيرا؛ فقد كانوا مثالا للعزة والأنفة وعصبة الرجل الواحد..


لم أر أحد منهم هناك رث الهيئة أو مكسور الخاطر , فقد جرت عادتهم على أن أي وافد من بلادهم يفد إلى هناك ينزل في البيت السوداني وهم يتكفلون بكل مطلباته هو وأسرته، حتى إذا وسع الله عليه رزقه أجرى لهذه الدار عطية شهرية حتى تبقى مفتوحة لغيره من الوافدين من أرض السودان .


هناك لم أسمع أحد منهم يسب الآخر أو يتحدث عنه بسوء أمام الآخرين .


كانوا هادئين طيبين كرماء مع كل أجناس البشر ؛ لكن  إذا بدر من أحد استهجانا لهم أو سخرية من بساطتهم تحولوا في طرفة عين إلى سباع وثابةلا يشق غبارها .


الكثير من الذكريات الطيبة التي بقيت في ذاكرتي منذ الطفولة وحتى اليوم عن أبناء هذه الأرض الطيبة , ففي قسمات وجوههم بعض دمائنا وفي طيوف عيونهم بقايا قصصنا وبين أكفهم نصف تاريخنا الذي لم نشهده ؛ فنحن كل لا يتجزأ.
شاء الله عزوجل وزرت السودان..


كانت رحلة أثيرة، فقد أتممت تجهيز أوراقي في ليلة واحدة حيث لم يكن مطلوب غير تذكرة الطائرة لم يكن لزاما على الزائرين لأهلهم هناك أن يأخذوا تصاريح دولية كما هو الحال الآن..


 وحين وصلت إلى مطار الخرطوم  لم تتجاوز إجراءات الخروج أكثر من خمس عشرة دقيقة على الأكثر , هناك لم أسمع صراخا ولا سبابا , والبسمة تعلو الوجوه, لم أضطر لدفع قرش واحد لأي أحد ..


حين خرجت من باب المطار كنت أنظر للشوارع بشوق طال لسنوات لأرض التربة السمراء، حقا إن لتربتها سمار يختلف عن كل تربة وملمسها حريري دافئ، الشوارع نظيفة جدا ولا أذكر أن السيارة تعرضت للمطبات أبدا..


جوها حار لكن متحرك نظيف تتنسم من خلاله عبق الزهور والرياحين والأشجار الخضرة والثمار النضرة..
نعم إنها نفس البلاد التي وقعت تحت الحجر الاقتصادي والمهني والتعليمي لسنوات..


إنها نفس الأرض التي دكت مصانعها بطيران الغزو الأمريكي ..


حين دخلت الفندق كان الوقت بعد الزوال فكان موظف الاستقبال يقطر الماء من وجهه وهو عائد من الوضوء تعلو محياه البسمة وقد أخذ الأوراق على أن يعيدها بعد الانتهاء منها حتى لا يدع المسافرين ينتظرون ..


في المساء تناولنا العشاء في مطعم تقليدي وحين دخلت المطعم وجدت مطبخ المطعم بجانب باب الدخول وجدرانه زجاجية والعمل هناك على أعلى درجات النظام والنظافة ..


كان أكثر ما علق بأنفي لحظتها رائحة الخضروات لم أشمها هكذا من قبل وكان أجمل ما تذوقته طبق السلطة الطبيعي بحق ..


هناك كما حكوا لي لاحقا أن الفواكه والخضروات يحظر على المزارعين أن يعرضوها للكيماويات أو الأسمدة الصناعية ولذلك فلو بيقت في الثلاجة لأكثر من شهر لا تفسد.


التقيت هناك بشخصيات رفيعة المستوى في الحكومة وأيضا من  السفارة المصرية استغربت الترحيب الصادق والحاني من إخوتنا السودانيين ؛ فقد كانوا في شوق لسماع أخبار مصر ومن فيها ويقصون حكايات جميلة لهم فيها  متواضعون جدا يتسابقون لخدمة غيرهم حتى لو لم يعرفوه .


أثار دهشتي وإعجابي في آن عدة أشياء في تلك الليلة : أولها سادة السفارة كانت طباعهم وبساطتهم حتى في المظهر وتواضعهم أقرب لإخوتهم السودانيين .


كانوا أكثر حرية وراحة وسعادة من حال الساسة في مصر ؛ كيف لا وقد خلعوا كل قشور الجبروت ومالوا إلى فطرتهم بصدق وتبسط وحرية وكرامة أيضا .


ثانيا : كان المطعم يعج بالحاضرين ولم أر أي منهم يلتفت للآخر وإذا عطس أحدهم التفتوا جميعا يشمتونه .


ثالثا: النساء كن أكثر ما أثار اهتمامي وتعجبي معاملتهم للرجال ومعاملة الرجال لهم في احترام متناهي .


رابعا : لهجتهم العربية رأيتها أقرب لهجات الدول الإفريقية للعربية الفصيحة.


خامسا : لم أر تخصيصا في المعاملة من أي نادل للسادة الحضور فالكل سواسية , والأعجب أن السادة الكرام لم ينتظروا معاملة خاصة من أحد ؛ يدخلون كالعامة ويخرجون كالعامة .


لم أستطع النوم طوال الليل وبقيت أفكر في شعب حضارته بنيت على الصدق والعدل والبساطة ..
قلبت في القنوات المحلية لأكثر من ساعة فلم أر مشهدا مخلا أبدا حتى في الأمسيات الغنائية ولم أسمع أي كلمة بذيئة حتى في الحوارات المفتوحة .


أعجبت بهذا الأمر كثيرا وقلت: من الجيد أن يعكس الإعلام صورة مشرفة كهذه عن ثقافته وشعبه حتى وإن جافت الحقيقة قليلا..


عند الفجر سمعت أذانا بصوت أثير يخرج من قلب وليس من حنجرة , فتحت النافذة لأستمع عن قرب فقلبي مشتاق منذ زمن طويل لسماع هتاف القلوب الصادق غير المتكلف ..


سالت مدامعي من صدق نداء المؤذن , حق الكلمة الصادقة ما أيسر وقوعها في القلوب , عرفت عند الضحى أن المؤذن هو مدير الفندق الذي أقيم فيه , والذي كان يقف خلفي مشمرا عن ساقيه يعمل مع العمال في تنظيف بهو الفندق ، لا تكاد من طلته تستشعر سوى أنه صاحب روح طيبة ونفس متواضعة؛ لا يخيل إليك أبدا أنه من أغنى أغنياء السودان ؛ فالدنيا في يديه وليست في قلبه.


خرجت بصحبة ركب كرام لا تزدك صحبتهم إلا حبورا وسكينة , ممرنا على كرنيش النيل , وقد كان نموذجا رائعا للفن المعمري والذوق الرفيع .


لمحت مبنى غريب الشكل فسألت عنه فقالوا : هذه وزارة التنمية البشرية تعمل على رعاية الكوادر والعقول النابغة والمواهب الفذة.


فلم أتمالك نفسي صبرا وسألتهم: كيف استطاعت السودان أن تصل لهذا المستوى الحضاري وهي واقعة تحت الحجر منذ سنين ؟.


فضحكوا جميعا في رثاء لحال بلادي وقالوا : نحن لدينا نظام مالي مختلف ؛ عندنا في مصلحة الزكاة تقوم على جمع أموال الزكاة وتوزيعها بالعدل كما جاء في القرآن والفوائد البنكية لدينا صفر والمعاملات البنكية قائمة على النظام الإسلامي ونظم المرابحة شرعية .


كنت أتابع مشدوهة القلب متسعة الحدقة لا أدري هل أبكي فرحا لنهضة هذا البلد الحبيب أم حزنا على حال بقية بلاد الإسلام التي يرثى لحالها.


سألت عن نظم التعليم فقالوا : لدينا نظم تعليم هي أفضل ما يمكن أن نصل إليه في ظل الحجر التعليمي مثلا: النانو تكنولوجي يدرس بفاعلية لدينا منذ أكثر من خمس سنوات وقد سجلت فيه رسائل جامعية .


وصلنا إلى مبنى تجاري وبعد عدة أدوار فوجئت بوحدات صغيرة كل وحدة عبارة عن قناة خاصة : إستديو وغرفة إخراج وغرفة إدارة والبث مباشرة دون رقابة كما قيل لي . ومع ذلك كما رأيت ينشرون إعلاما واعيا وراقيا ومشرفا .
رأيت هناك سيدات كثيرات منهن المحجبة وغير المحجبة ولكن تحفهن الحشمة والشرف والحياء بدثار روحي قبل أن يكون جسدي ؛ فلم تلمح عيني نظرة مخلة أو تصرفا عابثا من أي أحد .


جلست مثقلة من هول ما وقع على رأسي يومها من بؤس حال مصر وغيرها ؛ فكم من الملايين تصرف على الفرق الأمنية والأسوار العالية و المباني الفارهة والاجتماعات والعشاءات الفاخرة وللأسف عقول جوفاء ونتاج مخزي إلا قليلا ..


تابعت يومي في مكان آخر وجاءت نحوي وأنا أركب السيارة سيدة عجوز برفقة ابنتها الصغيرة تبيع عقود الخرز والصدف، جاء إليها من كانوا برفقتنا من أهل السودان الحبيبة واشتروا ما معها وطلبوا منها أن تذهب للجهة المختصة لتنفق عليها.


أعطوني العقود وظلوا طوال الطريق يعتذرون عن تصرفها وأن البلاد وفرت للجميع سبل الحياة الكريمة وليس لها مبرر في التعرض للمارة كنت أتابع بصمت ودموع اختلطت فيها مشاعري بين غبطة وحسرة وسعادة ومرارة.


طلبت منهم أن يذهبوا بي لأي مكان لتغيير العملة وهنا تبادلوا نظرات الاتهام وسألوا بنفس واحد: هل قصرنا في شيء هل تحتاجين لشيء ؟ قلت : لا و لكن أحب أن أعطي العمال وغيرهم .


فابتسموا وقالوا بأدب جم : هنا ليس كأي مكان، فإذا إعطيت عاملا مالا اعتبرها إهانة وظن أنه قدم لك شيء فوق القانون لذلك تقدمين له رشوة , وهذا يحزنهم كثيرا من الوافدين إلى السودان.
تصاعدت الدماء إلى رأسي من فرط الخجل ..

وصلنا لأرض المعارض التي يدخلها أي أحد إنها مدينة شاسعة أكبر من قصر الاتحادية في القاهرة ..

منظمة جدا من الداخل لكل صناعة معرض خاص بها سرنا طويلا ثم وصلنا لمبنى صغير جدا ومتواضع أيضا لا تعدو مساحته أكثر من خمسين مترا فقالوا : هذا مبنى إدارة أرض المعارض.


دخلنا واستقبلنا مدير هذا الكيان العملاق وصحبنا وعرفنا بنشاط أرض المعارض التي تستقبل المشاريع طوال العام وتمولها وأكثر أصحاب هذه المشاريع هم من الشباب بين الخامسة عشرة والثلاثين عاما .


كان من بين ما استوقفني وأنا أتابع وثائقيات أرض المعارض معرض السيارات المحلية التي تنتجها الآن رسميا شركة جياد وهي سيارات محلية الصنع 100% وعلى جودة عالية جدا تنافس مثيلاتها العالمية.


والمعرض الحربي الذي تنوعت الأسلحة فيه عالية الدقة والجودة والتكنولوجيا أيضا.

ما أبسط العرض وما أثمن المعروض !!!
كان المدير رجلا ودودا متواضعا قام بالضيافة بنفسه ولم يمل من كثرة الأسئلة باختصار شخص نذر نفسه لخدمة كل ما يصب في مصلحة بلاده وشعبه ويرى هذا واجبا لا ينتظر شكرا عليه.


خرجنا في جولة بأرض المعارض امتدت قرابة ساعتين بالسيارة، فما أجمل الفن والزراعة والاتقان والمهارة في كل شيء وما أبسط المكان رغم عظمته.


قلت في نفسي حينها : السودان مارد تحت الرمال , يصرون على تكبيله و دفنه حتى لا يستقوي به جيرانه.
نمت طويلا تلك الليلة أو ربما أغشي علي لكثرة ماعترى قلبي من مشاعر؛ سبحان من أعانني على كبح جماحها .
في يوم آخر ذهبنا لزيارة الصحف المقروؤة في البلاد .


كان بهو هذه المقارات مصلى  والمكاتب ليس فاخرة ولا منمنقة ولا مغلقة تتقدمها السيكرتارية، بالمناسبة لم أر أي سكيرتيرة هناك إلا عند مدير مصري، فالكل يخدم نفسه بنفسه وبابه مفتوح لكل طارق .


كانت المواد الصحفية تخرج من المراجعة اللغوية للطباعة فورا، فكل شخص مسؤول أمام نفسه عما كتبه.


وفي حي جميل شاسعة شوارعة حية حواريه ونظيفة أزقته كانت المستشفيات تقف شامخة في نموذج معماري وحضاري وقد سمعت كثيرا عن مهارة أطبائها وما يقدمونه من عمل فريد من نوعه.


وفي الطرقات لم أرى سيارة يقودها سائق ويركب صاحبها في الخلف ؛ فالوزراء وحتى رئيس الجمهورية يقود بنفسه ويمشي بلا خدم أو حشم فضلا على الحراسة والمدرعات .


مررنا بمقهى لشراء بعض المرطبات وفوجئت أن كافة ما يبيعونه في هذا المقهى من منتجات زراعية محلية ولا يقدمون المعلبات أبدا, عرفت بعدها أن هذا سمت كل المقاهي ومحلات العصائر وليس هذا فقط.


زرت مركز الثقافة والفنون للفنان راشد دياب وهذه قصة أخرى:


هذا الرجل فنان تشكيلي على ما أذكر , قضى سنين طويلة من حياته في إسبانيا وزوجته إسبانية و لكنه قرر العودة لبلاده للمشاركة في بنائها وحضارتها..


أقام مركز للفنون وقد جمع كل الفنون فمكتبه في أعلى مبنى مخروطي تقريبا فتحات التهوية فيه تبرد الغرفة رغم أن الجو حار جدا .


في مركزه كل أنماط الفنون من الحفر على المعادن والحجارة والخشب والزجاج وأيضا دباغة الجلود والرسم بشتى صوره وفنون الديكور والضوء والألوان المختلفة وكذلك البراعة في صباغة الملابس التقليدية والزراعة وإعادة التدوير وغيرها كثير جدا ..


في مركزه غرف لاستضافة الزوار المسافرين، وبه مسرح كبير تحت أغصان الشجر  يقيم عليه ليلة ثقافية كل ثلاثاء، وقد كان لطفا منه أن دعانا لحضور ليلة الثلاثاء تلك.


بقيت مسهدة العينين شاردة الذهن ليلة الثلاثاء وصباحه أفكر ماذا يمكن أن يقدم الرجل للعامة كل ثلاثاء , ظللت أرجح وأخمن حتى غابت الشمس وذهبنا .


كان الشارع الذي يقع فيه المركز  مغلقا بالسيارات، وقفنا بالسيارة خارج الشارع وسرنا على أقدامنا وقد لفت انتباهي لوحات السيارات الدبلوماسية ولكن لم أر أي فرد أمن أو سيارة حراسة .


دخلنا وكان الحضور من كافة أطياف الشعب فهناك علة القوم السفراء والوزراء  وهناك الأساتذة والشباب والطلاب والأجداد والأحفاد, كلهم يجلسون على نفس المقاعد في نفس الصفوف يشربون نفس القهوة ونفس الماء وأهل البلد كلهم يرتدون ثوبا سودانيا أبيض يعكس نقاء قلوبهم كان الداخل منهم يجلس حيث ينتهي به المجلس ولا يقوم أحد للسلام عليه في احترام لما يقدم لهم على المسرح.
وفي الخلف هناك كاميرات  كثيرة تبث لبقية الشعب هذه الأمسية الراقية .


على المسرح كان المتحدثون لا يرحبون بأحد ولا يشكرون قدوم أحد  وقد تتابعت الفقرات بمحتوى ثمين ومتنوع ولغة رصينة وكفاءة عالية الاحتراف .


أخيرا كانت فقرة غناء شعبي بكلمات شاعرية تنبض من تلاطم أمواج النيل وتأخذ نغمها من بلابل الدوح الشجي، واستمر المغنون حتى صار القمر في كبد السماء حتى قام السادة يحيونهم في استعراض شعبي جميل .


ثم تصافح الجميع وتعانقوا وغادروا وبقي المكان نظيف مرتب كأن لم يدخله أحد.


ليلة المغادرة أرسلت إلي الكثير من الهدايا والتذكارات وكانت جميعها محلية وبالأحرى زراعية .


غادرت في منتصف ليلة مقمرة للمطار الذي كان لا يستدعي دخوله أكثر من دقائق لأنه ليس مسورا ولا محاطا بتدابير أمنية مشددة فقد كنت أمر في الشارع وأرى الطائرات تقلع أمام عيني خلف أسلاك رقيقة.


حلقت في سماء الخرطوم مغادرة ولكن بقيت الكثير من جذوري في ترابها، والأهم لقد رأيت براعم آمالي لهذه الأمة تتفتح تحت شمس تلك البلاد الأثيرة وحتما سيحل الربيع على بقية البلاد يوما وسيعم السلام كل أوطاني.

#تعالوا_نربي_ونتربى

ذاكرة قلم : #فاطمة_بنت_الرفاعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق