الأربعاء، 24 أكتوبر 2012

حنين الحجيج





خطبة ألقيتها من عشرين عاما ربما، أحسب أن روحها لن تموت طالما الحج باقيا وضيوف الرحمن يلبون.وعنوانها:(حنين الحجيج).
-------------------------------------------------------------------
الحمد الله مدّبر الليالي والأيّام، ومصرف الشهور والأعوام، الملك القدوس السلام المتفرد بالعظمة والبقاء والدوام ...
أحمده سبحانه وتعالى وأشكره.. قدّر الأمور فأجراها على أحسن نظام، وشرع الشرائع فاحكمها أيّما إحكام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالي والأيام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بحج بيته الحرام، وأشهد أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خير الأنام. أطهر نفس أحرمت، وأزكى روح هتفت، وأفضل قدم طافت وسعت، وأعذب شفة نطقت وكبرت وذكرت وهلّلت، وأشرف يد رمت واستلمت، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أكرم بخلـق نبيٍّ زانـه خُـلُـق
بالحق مشتمل بالبشر مـتسـم
كالزهر في ترفٍ والبدر في شرفٍ
والبحر في كرم والدهر في همم
جاءت لدعوته الأشجـار سـاجدة
تمشي إليه على ساق بلا قـدم
يارب أزكى صلاة منـك دائـمـة
على النبي بمنهـل ومنـسـجم

أما بعد .. فاتقوا الله أيها الإخوة في الله، واعلموا أن التقوى درع حصين، ومأمن أمين.. خير زاد ولباس (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ )(1).

أيها الإخوة الكرام:
بعد أيام يأذن الله تبارك وتعالى لهذه الحشود المؤمنة الوافدة من بقاع الأرض، التي قطعت المهاد والقفار، وعبرت الأودية والبحار، تركت الديار والأوطان، والأولاد والجيران، والمال والمتاع، والأهل والضِياع، مقبلين إلى مكة.. ليكونوا من وفد الله، ومن ضيوف عباد الله.
الحجاج والعمّار وفد الله دعوه فأجابهم، وسألوه فأعطاهم، علموا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه العظام، أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على فضائل الحج تغلغلت لشغاف قلوبهم .. ينتظرون ليلة البدء، ليفوزوا بموعود الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة، وما من مؤمن يظلُّ يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه) (2).

أيها الإخوة:
ساعات محدودات، ولحظات قادمات، وتتحرك الوفود. نعم، وفود الله، وضيوف الله، وأهل الله، إلى المشاعر، لتمتزج المشاعر في المشاعر، وتبدأ رحلة الحج....
رحلة الحج: رحلة العمر، رحلة المغفرة، رحلة المنافع، منافع القلب والروح، منافع الراحة والأمان، منافع الرضا والأنس، منافع الأمة.
ما هي إلا ساعات ويأذن الله لضيوفه أن يزوروه:
على عيني بكت عيني على روحي جنت روحي
هواك وبعد ما بـيني وبينـك سرُّ تـبريحي
حيائي منك يبـعدني وداعي الشوق يدنيني
ووجه الصفح يخجلني ويقتلـني ويـحييني
هرعت إليـك يا ربي وقلت عساك تقبلني
مددت يدي
إليك ومنك يا ربّاه
ومن طول النوى أوّاه
فأقبل إلّي يا عبدي وهلّل تجد نَوْلي
وبادر إليّ يا ضيفي ولبِّ ترى فضلي
فلبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل، لبيك ذا الفضل، لبيك ذا المجد.
أيها الإخوة:
إذا عزم المسلم على الحج، قوّى عزيمته وخاطب نفسه:
وقلت للنفس جدي الآن واجتهدي
وساعديني فهذا ما تـمنيت
لو جئتكم قاصداً أسعى على بصري 
لم أقض حقاً وأيُّ الحق أديت؟

ويختار أحد الأنساك الثلاثة:
إما الإفراد، وهو أن يذهب إلى مكة لأداء الحج فقط.
أو التمتع، وهو أن يأتي بعمرة كاملة، ثم يتحلل، ثم يحرم بالحج يوم الثامن من ذي الحجة.
أو القِران، وهو: أن ينوي الحج والعمرةبإحرام واحد، فيأتي بعمرة كاملة كالتمتع، ولكن يبقى على إحرامه حتى يحج.
وأما عن الأفضل في أنواع الأنساك هذه فمختلفٌ فيه، وفي كلٍّ خير فمالك والشافعي، أخذوا برأي الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأم المؤمنين وجابر بن عبدالله وغيرهم، في أن الإفراد أفضل.
وأما الإمام أبو حنيفة وسفيان الثوري وغيرهم فيرون القِران أفضل، وأما الإمام أحمد فرأى التمتع أفضل وعدد من التابعين.
ولكلٍ اجتهاده، فمن اختار أحد هذه الأنساك متأولاً السنة، مجتهداً، أو ناقلاً عن مجتهد فله ذلك، دون تثريب على أحد. 
فإذا ما استعان بالله واختار نسكه بعد تطهره وتنظفه، لبى نداء الله تعالى رافعاً صوته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) (3). رواه الترمذي. ويستمر في التلبية فلا يسمع صوته حجر ولا مدر إلا وشهد له يوم القيامة، شهد له بالصدق، والتوجه لله، شهد له أنه لن يرجو ولن يؤمل ولن يسأل إلا الله، الله وحده لا شريك له.

ويستحب الإكثار منها إذا صعد مرتفعاً، أو هبط وادياً، وإذا أقبل الليل والنهار، أو التقت الرفاق، ويستحب له بعد وقت من التلبية أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل الله الجنة ويستعيذ بالله من النار، ولو زاد بالمأثور عن ابن عمر رضي الله عنهما بقوله: (لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل، لبيك ذا النعماء والفضل لبيك، لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك لبيك) (4)، جاز فعله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكلٌ يلبي بما يرى فرادى أو جماعة لعدم وجود الدليل المانع، والمهم أن ينشغل بذكر ربه".
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك.
والتلبية سنة لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره بها، ويسن ابتداء التلبية عقب الإحرام، لقول جابر رضي الله عنه: فأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك(5).
ويسن الإكثار منها ورفع الصوت بها دون النساء لقوله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية). صححه الترمذي.
ويلبي الحاج من أن يخرج من البنيان حتى يصل إلى الطواف أو السعي، وحينها يقطعها ثم يواصل بعدها. كما ذكر العلامة ابن حجر عليه رحمة الله.
ويسن الدعاء بعد التلبية فيسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، كما روى ابن خزيمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويسن كذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التلبية، ولكن لا يرفع صوته بالدعاء.
ويستحب الإكثار من التلبية إذا صعد نشزاً، أو هبط وادياً، أو أقبل الليل أو النهار، أو التقت الرفاق. وإن زاد المسلم عن هذه التلبية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم كأن يقول: "لبيك ذا المعارج، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل"(6)، أو كما قال عمر رضي الله عنه: (لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبيك)،فحسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأفضل أن يلبي تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقل عن الصحابة من زيادة في التلبية فهو جائز غير مكروه، ولا مستحب عند أصحابنا).
فيستمر في هذه التلبية العظيمة رافعاً بها صوته: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
إلهنا ما أعـدلـك مليك كلِّ من ملـك
لبيك قد لـبيتُ لـك لبيك إن الحمد لـك
والملك لا شريك لك ما خاب عبدٌ سألـك
أنت له حيثُ سـلك لولاك يا رب هـلك
لبيك إن الحمد لـك والملك لا شريك لك
والليل لمّا أن حلـك والسابحات في الفلك
وكلُّ من أهـلّ لـك سبّح أو لـبى فـلك
يا مخطئاً ما أغـفلك عجِّل وبادر أجـلـك
اختم بخـير عمـلك لبيك إن الحمد لـك
والملك لا شريك لك والحمد والنعمة لـك

والحج أيها الإخوة قد يكون فيه نصب وكد، وإن حج مع أرقى المخيمات، وتناول أحلى الطيبات، فإن لم يكن في وقت منامه ففي رميه، وإلا يكن كذلك ففي طوافه وسعيه .. وهكذا. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا..
روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن عبادة بن الصامت قال: (صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخطى إليه رجلان: رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف فسبق الأنصاريُّ الثقيفيَّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للثقفي: إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة، فقال الأنصاري: لعله يا رسول الله يكون عَجَل مني فهو في حِلّ، قال: فسأل الثقيفي عن الصلاة فأخبره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: إن شئت خبرتك بما جئت تسأل عنه، فإن شئت تسألني فأخبرك؟ فقال: يا رسول الله تخبرني. قال: جئت تسألني: مالك من الأجر إذا أممت البيت العتيق، ومالك من الأجر في وقوفك بعرفة، ومالك من الأجر في حلق رأسك، ومالك من الأجر إذا ودّعت البيت، فقال الأنصاري: والذي بعثك بالحق ما جئتُ أسألك عن غيره. قال صلى الله عليه وسلم:فإن لك من الأجر إذا أَمَمْتَ البيت العتيق أن لا ترفع قدماً أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة ورفعت لك درجة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل يقول لملائكته يا ملائكتي ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاءوا يلتمسون رضوانك والجنة، فيقول الله عز وجل: فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم عدد أيام الدهر وعدد رمال عالج (وهو رمل كثير متراكم). وأما رميك الجمار، قال الله عز وجل: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(6)، وأما حلق رأسك فإنه ليس من شعرك من شعرة تقع على الأرض إلا كانت لك نوراً يوم القيامة، وأما البيتَ إذا ودعتَ فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك).(8).

يالله، ناس جاءوا من حول البحر الأبيض والأسود والأحمر، ومن شطآن المحيط الأطلسي والهندي والهادي، ومن أعماق القارات الخمس، من كل شبر يطلع عليه نور الشمس، أو تحلُّ فيه هدأة الليل، علموا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه العظام فهان عليهم كل أمر، ليستجيبوا لأمر الله ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(9).
جهزوا أنفسهم وحزموا أمتعتهم؛ إذ علموا أن الدنيا غيرُ مأمونة، وأن الأجل قد دنا فسارعوا قبل الرحيل، يحدوهم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الجامع: (عجلوا الخروج إلى مكة؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة) (10).

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يذكّر الناس ويحثهم بالمسارعة والتعجيل، يلقي باللائمة على من تقاعس وتكاسل كما ثبت في الحديث الصحيح (إن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححت له جسمه ووسَّعت عليه معيشته تمضي عليه خمس أعوام لا يفد إليَّ لمحروم) .
وما جاء هذا التأنيب الكريم إلا أنهم سيكرمون، ويجلّبون وينالون أنس الحياة في الدنيا والآخرة.
فهان على أولئك الحجاج كلُّ أمر، فاستخاروا الله وحملوا الزاد والتقوى، والرفقة المذكِّرة وقت الفترة، الناصحة وقت الغفلة، تركوا أوطانهم وأولادهم، فإلى أين أيها الحجاج، إلى أين؟!

سرينا نشق البيد للبـلد الـذي 
بجهد وشق للنفوس بلـغناه
رجالاً وركباناً على كل ضامـر
ومن كل ذي فج عميق أتيناه
نخوض إليه البر والبحر والدجى
ولا قاطـع إلا وإنا قطـعناه
ولا صدنا عن قصدنا فـقد أهلنا
ولا هجر جار أو حبيب ألفناه
عرفنا الذي نبغي ونطلب فـضله 
فهان علينا كلُّ شيء بذلنـاه
فمن عرف المطلوب هانت شدائد
عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه

يسير هؤلاء الحجاج بهتاف واحد، ولباس واحد، ودعاء واحد، ومقصد واحد، ما هو مطلوبهم من هذا المسير المتعب، وهذا السفر الشاق، وهذه الرحلة المضنية...؟
إنما تُرفع أيديهم، وتخفق قلوبهم، لأن لسان حالهم يقول:
ووجهَك نبـغي أنـت للقلـب قـبلةٌ
إذا ما حججنا أنت للحج رمناه
فما البيت ما الأركان ما الحجر النقي
وَلاَ زمزم أنت الذي قد قصدناه
وأنت منـانا أنـت غـاية سـؤلـنا
وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه

فوالله ما سار الحجاج، ولا رفعوا قدماً ولا وضعوا أخرى إلا حطت عنهم خطاياهم، كما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم:(ما ترفع إبل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، أو محا عنه سيئة أو رفعه بها درجة).
والبعض يفكرون في نفقة الحج، ومدى ما يخسرون ..!
لا يا أخي .. النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ويضاعفها الله إلى سبعمائة ضعف، كما ثبت في صحيح الجامع.

أيها المؤمنون:
ويأتي يوم التروية..
وهاهو ذا الشاعر العربي المسلم، يرى أفواج الحجيج في منى، ولم يستطع اللحاق بهذا الفوج المبارك، وهذا الوفد العزيز فينادي في أهل منى:
انقطعنا ووصلتم فاعلموا
واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فَصِلُوا
بِفُضُول الربح مـن قد غُبِنَّا
وقال آخر:
يا سائرين إلى البيت العتيق
لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحـلوا
ومن أقام على عذر كمن راحـا

أيها المؤمنون:
فإذا ما أصبح الحاج في يوم التاسع، وإذ بالقلب يزداد هيجاناً!
يا الله .. ما هي إلا لحظات ويحشر مع الملايين في بقعة واحدة، ملايين البشر يدعون في مكان محدد، فيسمع الله أصواتهم جميعاً.. الله أكبر .. كم من ذنوب عثرت، وكم من عيوب سترت، كم شفى الله مريضاً، كم رزق الله عقيماً، كم أصلح الله قلباً، ونقَّى سريرة، كم من أعين دمعت، وكم من دعوة رُفعت، وكم من نفوسٍ قُبلت، ووالله ما كان لها إلا هذا المكان.
يوم عرفة، يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عنها والعتق من النار، والمباهاة بأهل الوقف. كم جاء في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة أو إنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ماذا أراد هؤلاء) (11).
وخرّج ابن حبان في صحيحه عن جابر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء فيباهي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم يُرَ أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة"(12).
وخرّج الطبراني وغيره من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يدنو إلى السماء الدنيا عشية عرفة، فيقبل على ملائكته فيقول: ألا إن لكل وفد جائزة، وهؤلاء وفدي أتوني شعثاً غبراً، أعطوهم ما سألوا،وأخلفوا لهم ما أنفقوا. حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبل عليهم فقال: ألا إني قد وهبت مسيئكم لمحسنكم، وأعطيت محسنكم ما سأل. أفيضوا باسم الله"(13).
فيخرجون وذنوبهم مغفورة، وعيوبهم مستورة، رجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم".
لقد أكرمهم الله أحسن إكرام، وأنعم عليهم أفضل إنعام، فهم ضيوف الرحيم الرحمن، وأنْعِمْ بضيف الله في وفادة الله!
يخرجون من عرفات وقلوبهم طاهرة، ونفوسهم صافية... إلى أين؟ إلى مزدلفة يودعون هذا المكان، ويحيّون هذا الجبل الذي حطمَه الناس، جاءوا بذنوب تهد الجبال، والجبل يتحملهم، ويحضنهم، وهو يسمع نشيجهم وحزنهم... في عرفات.

ثم إلى أين ..؟
إلى المشعر الحرام.. حيث الاستراحة الإيمانية التي تصفو فيها النفس للذكر، والدعاء.

وبعدها إلى منى ، مع صباح يوم العيد..
أيام منى .. (أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل).
أيام منى: أيام العيد..
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. 
في هذه الأيام يعيش الحجاج أجمل لحظات العمر، وأمتع وأسعد أوقات الحياة. يعيش مع ضيوف الله. مع وفد الله.
الله .. أكبر...
كم من أرواح تعانقت، وكم من قلوب تآلفت، كم من مجالس إيمانية، ولحظات روحانية، يلتقي الحاج بإخوانه في الله، بالعلماء، بالصالحين، بالإخوان في الله الذين جمعهم الله في هذا الموسم. ووالله لو نادى من نادى لما جمعوا. ولكن إنما هي هداية الله لأحبابه.

أيها الإخوة:
لا تظنوا أن الحج مغفرة للذنوب فحسب. إن المغفرة موجودة في الحج وفي غيره.
لا؛ أيها الإخوة؛ الحج وصفه الله بثلاث كلمات، لو علم بها أهل الأرض لما تخلفوا عن الحج، يقول الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (14). هذه الكلمات الثلاثة ... هدية الله الخاصة للحجاج، ولا توجد والله إلا في هذا الموسم، منافع الراحة والأمن،والمغفرة ولقيا الصالحين والأنس بالله،وتعمق مشاعر الحب للإسلام، ورؤية المسلمين من كل أرض...
أيها الإخوة: 
وبعد أيام من الذكر، والأنس، والرجم، والدعاء،والعيش الجميل مع أحباب الرحمن.. تتسارع اللحظات لتحين لحظة الوداع.
عند الوصول لطواف الوداع، يقف الحاج مع نفسه ينظر إلى البيت وعينه تدمع، وقلبه يألم، بدأ بالبيت يطوف قدوماً، وها هو يطوفه وداعاً، وبينهما صلاة وسجود، وتهليل وتلبية، وتكبير ونحر، ومشي على الأقدام، وذكر على الدوام.
هنا تنتهي هذه الرحلة المباركة.. 
كان ضيفاً من ضيوف الله، هنا يقف ويقول: ياربّ قد سرت لرضاك، حفظت لساني، وسعيت بأركاني، هطلت عيني دمعاً، ووجل قلبي خوفاً، اتبعت سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، راجياً ثوابه، مؤملاً في فضله.
يعاهده على استمرار الطاعة، فيودع البيت، وكلّه أمل بالله كبير أن يرجع طاهراً نقياً، قلبه أزكى، ونفسه أصفى، ولسانه أحلى، يحمل شريطاً لن ينساه في حجه.
يرجع الحاج بفأل حسن، وانطلاقة إيمانية تدفعه لعمل الصالحات، والمشاركة في الخيرات، والسعي للعمران، وتعظيم أمر الله في النفوس. 

أحجاج بيـت الله ألـف تحـية
بأوجهكم نور من الله يـسطـع
نزلتم ضيوفاً في رحـاب كريمة 
إليها يحن القلب دوماً ويخشـع
ضيوفاً على المولى الكريم ببيته
وأنتم سجود في حـماه وركـع
ولما سعيتم بين مروة والصـفا
صفا قلبكم مما يرين ويـطـبع
وقد شكر الباري لكم سعيكم بها 
فطوبى بهذا الأجر طوبى تمتعوا
ولـما وقفتم للنـداء جميـعكم
علمتم بأن الأمر للـه يـرجـع
هنيئاً لكم قد نلتم العفو والرضـا 
وذكركم يوم القيـامة يـرفـع

__________________

(1) الأعراف، آية (26).
(2) أخرجه الترمذي (810)، والنسائي (5/115)، وابن ماجة (2887). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، من حديث عبدالله بن مسعود، وفي مسند أحمد (167) من حديث عمر رضي الله عنه. قال الأرناؤوط: صحيح لغيره.
(3) أخرجه الترمذي (1829) عن خلاد بن السائب عن أبيه، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
(4) أخرجه مسلم (1184) عن ابن عمر رضي الله عنه.
(5) أخرجه مسلم (1218) عن جابر رضي الله عنه.
(6) أخرجه أبو داود (1813) ، وابن ماجه (2919) من حديث جابر رضي الله عنه.
(7) السجدة، آية (17).
(8) أخرجه الطبراني في الأوسط (3/16) وأورده الهيثمي في المجمع (3/354) وقال: رجاله ثقات.
(9) آل عمران، آية (97).
(10) أخرجه البيهقي في الكبرى (4/240) وأبو نعيم في الحلية (7/114) عن ابن عباس رضي الله عنه.
(11) أخرجه مسلم (1348) عن عائشة رضي الله عنها.
(12) أخرجه ابن حبان (3853) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال الأرنؤوط: حديث صحيح إسناده قوي.
(13) أخرجه الطبراني في الكبير (13566) عن عبدالله ن عمرو بن العاص رضي الله عنه. ولو شواهد ذكرها الألباني في الصحيحة (1625).
(14) الحج، آية (28).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د/ علي العمري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق